الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

115

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فَسَيَأْتِيهِمْ . و ما في قوله : ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يجوز أن تكون موصولة فيجوز أن يكون ما صدقها القرآن وذلك كقوله تعالى : وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً [ البقرة : 231 ] . وجيء في صلته بفعل يَسْتَهْزِؤُنَ دون ( يكذّبون ) لتحصل فائدة الإخبار عنهم بأنهم كذّبوا به واستهزءوا به ، وتكون الباء في بِهِ لتعدية فعل يَسْتَهْزِؤُنَ ، والضمير المجرور عائدا إلى ما الموصولة ، وأنباؤه أخباره بالوعيد . ويجوز أن يكون ما صدق ما جنس ما عرفوا باستهزائهم به وهو التوعّد ، كانوا يقولون : متى هذا الوعد ؟ ونحو ذلك . وإضافة أَنْبؤُا إلى ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ على هذا إضافة بيانية ، أي ما كانوا به يستهزءون الذي هو أنباء ما سيحلّ بهم . وجمع الأنباء على هذا باعتبار أنهم استهزءوا بأشياء كثيرة منها البعث ، ومنها العذاب في الدنيا ، ومنها نصر المسلمين عليهم وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ يونس : 48 ] ، ومنها فتح مكة ، ومنها عذاب جهنم ، وشجرة الزقوم . وكان أبو جهل يقول : زقّمونا ، استهزاء . ويجوز كون ما مصدرية ، أي أنباء كون استهزائهم ، أي حصوله ، وضمير بِهِ عائدا إلى معلوم من المقام ، وهو القرآن أو الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . والمراد بأنباء استهزائهم أنباء جزائه وعاقبته وهو ما توعدهم به القرآن في غير ما آية . والقول في إقحام فعل كانُوا هنا كالقول في إقحامه في قوله آنفا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ [ الشعراء : 5 ] ولكن أوثر الإتيان بالفعل المضارع وهو يَسْتَهْزِؤُنَ دون اسم الفاعل كالذي في قوله : كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ لأن الاستهزاء يتجدد عند تجدد وعيدهم بالعذاب ، وأما الإعراض فمتمكّن منهم . ومعنى فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ على الوجه الأول أن يكون الإتيان بمعنى التحقق كما في قوله : أَتى أَمْرُ اللَّهِ [ النحل : 1 ] ، أي تحقّق ، أي سوف تتحقّق أخبار الوعيد الذي توعدهم به القرآن الذي كانوا يستهزءون به . وعلى الوجه الثاني سوف تبلغهم أخبار استهزائهم بالقرآن ، أي أخبار العقاب على ذلك . وأوثر إفراد فعل « يأتيهم » مع أن فاعله جمع تكسير لغير مذكر حقيقي يجوز تأنيثه